النزاع حول القنصلية البريطانية في القدس الشرقية: نهاية الأزمة أم مجرد هدنة مؤقتة؟

إسرائيل تعلن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وبريطانيا تصر على استمرار عملها: أُزيلت اللافتة وتغيّر الاسم، لكن الخلاف الدبلوماسي لا يزال مفتوحًا
مبنى القنصلية البريطانية في القدس الشرقية والعلم البريطاني يرفرف فوقه، على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين إسرائيل وبريطانيا
مبنى القنصلية البريطانية في القدس الشرقية والعلم البريطاني يرفرف فوقه، على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين إسرائيل وبريطانيا

هل تعني إزالة اللافتة من مبنى القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، يوم الخميس، انتهاء الأزمة بين البلدين، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة على طريق مواجهة يبدو أنها لا مفر منها؟ فقد بلغ التصعيد الدبلوماسي الحاد بين إسرائيل وبريطانيا نقطة الغليان، لكن خلف تصريحات التهدئة المتبادلة يبدو أن خلافًا أعمق بكثير لا يزال قائمًا.

لم يبدأ التوتر بين القدس ولندن بين ليلة وضحاها. فمنذ وصول حكومة حزب العمال إلى السلطة في يوليو 2024، شهدت العلاقات تدهورًا مستمرًا. واتخذت بريطانيا سلسلة من الإجراءات الأحادية، شملت استئناف تمويل وكالة الأونروا، وتعليق تراخيص تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، وفرض عقوبات على شخصيات وهيئات إسرائيلية، وتجميد الحوار العسكري والأمني، ثم الاعتراف من جانب واحد بدولة فلسطينية. أما القشة التي قصمت ظهر البعير من وجهة نظر إسرائيل، فكانت فرض عقوبات على منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب تصاعد الخطاب البريطاني الحاد وتوجيه اتهامات بارتكاب “تطهير عرقي”.

لماذا أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس؟

ردًا على هذه الخطوات، أعلنت إسرائيل في 8 سبتمبر سلسلة من الإجراءات الانتقامية، شملت إبعاد ممثلين بريطانيين عن مركز تنسيق المساعدات في غزة، ووقف تدريب قوات السلطة الفلسطينية، ومنع دخول مسؤولين بريطانيين منتخبين ينشطون ضد إسرائيل، وإصدار تعليمات بإغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس، وهي مؤسسة تعمل في المدينة منذ ما يقارب 200 عام.

وأصدر وزيرا خارجية البلدين بيانين متزامنين أعلن كل منهما فيهما تحقيق انتصار. فقد أوضح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن إسرائيل طبقت مبدأ الرد المناسب، قائلًا: “لقد وضعنا مبدأ واضحًا: لا يمكن اتخاذ خطوات ضد إسرائيل من دون أن تتخذ إسرائيل إجراءات مناسبة ردًا عليها. القنصلية البريطانية في القدس تنهي نشاطها اليوم، وقد أُزيلت لافتة القنصلية”. ومع ذلك، أشار إلى أن الحوار الذي جرى خلال الأيام الأخيرة أسفر عن تفاهمات تهدف إلى منع مزيد من التدهور في العلاقات.

هل أُغلقت القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بالفعل؟

في المقابل، أصدر وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، بيانًا رسميًا رفض فيه الموقف الإسرائيلي، قائلًا: “لقد أوضحنا أننا لا نقبل بأن تكون لحكومة إسرائيل صلاحية قانونية لإغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس… موقفنا الثابت هو أن القدس الشرقية أرض محتلة”. وأضاف ميليباند أنه عقب المحادثات، لن يُغلق المبنى، بل سيواصل عمله تحت اسم “البعثة البريطانية، القدس”، مع الحفاظ على استقلاليته والاستمرار في تقديم الخدمات للسكان الفلسطينيين. كما أشار إلى أن بريطانيا أعادت مؤقتًا بعض أفراد طاقمها بسبب مخاوف أمنية.

ورغم أن الطرفين يقدمان النتيجة باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا، إذ تشير إسرائيل إلى إلغاء الصفة القنصلية وإزالة اللافتة، بينما تؤكد بريطانيا استمرار العمل والحضور الفعلي على الأرض، فإن جذور الخلاف لم تُحل. وقد يوفر تغيير اسم القنصلية جسرًا دبلوماسيًا مؤقتًا، لكن الخلافات العميقة بشأن القضايا الجوهرية تشير إلى أن الفصل المقبل من هذا النزاع ليس سوى مسألة وقت.